فصل: تفسير الآيات (85- 86):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (83):

{وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)}
فيه عشر مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ} تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ. واختلف في الميثاق هنا، فقال مكي: هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر.
وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم.
وهو قوله: {لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه.
الثانية: قوله تعالى: {لا تَعْبُدُونَ} قال سيبويه: {لا تَعْبُدُونَ} متعلق بقسم، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون، وأجازه المبرد والكسائي والفراء. وقرأ أبي وابن مسعود {لا تعبدوا} على النهي، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال: وقُومُوا، وقُولُوا، وأَقِيمُوا، وآتُوا.
وقيل: هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا. وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي {يعبدون} بالياء من أسفل.
وقال الفراء والزجاج وجماعة: المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، وبأن يحسنوا للوالدين، وبالا يسفكوا الدماء، ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما، كقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي}. قال المبرد: هذا خطأ، لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا، تقول: وبلد قطعت، أي رب بلد.
قلت: ليس هذا بخطإ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه:
ألا أيها ذا الزاجري أخضر الوغى ** وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها.
الثالثة: قوله تعالى: {وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً} أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا. وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني- وهو التربية- من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ}. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما، على ما يأتي بيانه مفصلا في الإسراء إن شاء الله تعالى.
الرابعة: قوله تعالى: {وَذِي الْقُرْبى} عطف ذي القربى على الوالدين. والقربى: بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة القتال إن شاء الله تعالى.
الخامسة: قوله تعالى: {وَالْيَتامى} اليتامى عطف أيضا، وهو جمع يتيم، مثل ندامى جمع نديم. واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الام.
وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الام، والأول المعروف. وأصله الانفراد، يقال: صبي يتيم، أي منفرد من أبيه. وبئت يتيم: أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر. ودرة يتيمة: ليس لها نظير.
وقيل: أصله الإبطاء، فسمي به اليتيم، لأن البر يبطئ عنه. ويقال: يتم ييتم يتما، مثل عظم يعظم. ويتم ييتم يتما ويتما، مثل سمع يسمع، ذكر الوجهين الفراء. وقد أيتمه الله. ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله، على ما يأتي بيانه في النساء.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة». وأشار مالك بالسبابة والوسطى، رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وخرج الامام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل قال حدثنا الأسود بن عبد الرحمن عن هصان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان». وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من ضم يتيما من بين ملمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه- قالوا: وما كريمتاه؟ قال:- عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يبن أو يمتن غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر». فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال: يا رسول الله أو اثنتين؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أو اثنتين». فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال: هذا والله من غرائب الحديث وغرره.
السادسة: السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة، لأنهم كانوا يسبون بها، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة، لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد. وتسمى أيضا بالسباحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. وروي عن أصابع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت: خرجت في حجة حجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على راحلته وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه. فقوله عليه السلام: «أنا وهو كهاتين في الجنة»، وقوله في الحديث الأخر: «أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا» وأشار بأصابعه الثلاث، فإنما أراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال: نحشر هكذا ونحن مشرفون، وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة. فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة. وهذا معنى بعيد، لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة.
السابعة: قوله تعالى: {وَالْمَساكِينِ} المساكين عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم. وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء. روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله- وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر». قال ابن المنذر: وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله.
الثامنة: قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} {حُسْناً} نصب على المصدر على المعنى، لأن المعنى ليحسن قولكم.
وقيل: التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن، فهو مصدر لا على المعنى. وقرأ حمزة والكسائي {حسنا} بفتح الحاء والسين. قال الأخفش: هما بمعنى واحد، مثل البخل والبخل، والرشد والرشد.
وحكى الأخفش: {حسنى} بغير تنوين على فعلى. قال النحاس: وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر {حسنا} بضمتين، مثل الحلم. قال ابن عباس: المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. ابن جريج: قولوا للناس صدقا في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتغيروا نعته. سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قول للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً}. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.
وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لعائشة: «لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء».
وقيل: أراد بالناس محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كقوله: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» فكأنه قال: قولوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسنا.
وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} منسوخ بآية السيف. وحكاه أبو نصر عبد الرحيم عن ابن عباس. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف. قال ابن عطية: وهذا يدل على أن هذه الامة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، والله أعلم.
التاسعة: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ} تقدم القول فيه. والخطاب لبني إسرائيل. قال ابن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل، ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قلت: وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص.
العاشرة: قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} الخطاب لمعاصري محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم، كما قال:
شنشنة أعرفها من أخزم

{إِلَّا قَلِيلًا} كعبد الله بن سلام وأصحابه. و{قَلِيلًا} نصب على الاستثناء، والمستثنى عند سيبويه منصوب، لأنه مشبه بالمفعول.
وقال محمد بن يزيد: هو مفعول على الحقيقة، المعنى استثنيت قليلا. {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} ابتداء وخبر. والاعراض والتولي بمعنى واحد، مخالف بينهما في اللفظ.
وقيل: التولي بالجسم، والاعراض بالقلب. قال المهدوي: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} حال، لأن التولي فيه دلالة على الاعراض.

.تفسير الآية رقم (84):

{وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ} تقدم القول فيه. {لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ} المراد بنو إسرائيل، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم. {لا تَسْفِكُونَ} مثل: {لا تَعْبُدُونَ} في الاعراب. وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبى حمزة بضم الفاء وهى لغة، وأبو نهيك {تسفكون} بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين. والسفك: الصب. وقد تقدم. {وَلا تُخْرِجُونَ} معطوف. {أَنْفُسَكُمْ} النفس مأخوذة من النفاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. والدار: المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال.
وقال الخليل: كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية.
وقيل: سميت دارا لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه. و{أَقْرَرْتُمْ} من الإقرار، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم. {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} من الشهادة، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل: الشهادة بمعنى الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم.
الثانية: فإن قيل: وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره؟ قيل له لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها.
وقيل: المراد القصاص، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. وكذلك لا يزني ولا يرتد، فإن ذلك يبيح الدم. ولا يفسد فينفي، فيكون قد أخرج نفسه من دياره. وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى. وإنما كان الامر أن الله تعالى قد أخذ على بنى إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا ينفيه ولا يسترقه، ولا يدعه يسرق، إلى غير ذلك من الطاعات.
قلت: وهذا كله محترم علينا، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وفى التنزيل: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} وسيأتي. قال ابن خويز منداد: وقد يجوز أن يراد به الظاهر، لا يقتل الإنسانية نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كم تقتل الهند أنفسها. أو يقتل الإنسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه: فهو عموم في جميع ذلك. وقد روى أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعزموا أن يلبسوا المسوح، وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا البيوت: ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده، فقال لامرأته: «ما حديث بلغني عن عثمان؟» وكرهت أن تفشى سر زوجها، وأن تكذب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: يا رسول الله، إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك، فقال: «قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي إنى أصلى وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء واوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس منى» فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه.

.تفسير الآيات (85- 86):

{ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)}
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ} {أَنْتُمْ} في موضع رفع بالابتداء، ولا يعرب، لأنه مضمر. وضمت التاء من {أَنْتُمْ} لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة. {هؤُلاءِ} قال القتبي: التقدير يا هؤلاء. قال النحاس: هذا خطأ على قول سيبويه، ولا يجوز هذا أقبل.
وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين. و{تَقْتُلُونَ} داخل في الصلة، أي ثم أنتم الذين تقتلون.
وقيل: {هؤُلاءِ} رفع بالابتداء، و{أَنْتُمْ} خبر مقدم، و{تَقْتُلُونَ} حال من أولاء.
وقيل: {هؤُلاءِ} نصب بإضمار أعني. وقرأ الزهري {تقتلون} بضم التاء مشددا، وكذلك {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ}. وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الاسلاف. نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة. والنضير والأوس والخزرج إخوان، وقريظة والنضير أيضا إخوان، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم، فعيرهم الله بذلك فقال: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ}.
قوله تعالى: {تَظاهَرُونَ} معنى: {تَظاهَرُونَ} تتعاونون، مشتق من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر:
تظاهرتم أستاه بيت تجمعت ** على واحد لا زلتم قرن واحد

والإثم: الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم. والعدوان: الافراط في الظلم والتجاوز فيه. وقرأ أهل المدينة وأهل مكة {تظاهرون} بالتشديد، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها، والأصل تتظاهرون. وقرأ الكوفيون {تَظاهَرُونَ} مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا {وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ}. وقرأ قتادة {تظهرون عليهم} وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه: {وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً} وقوله: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ} فاعلمه.
قوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ} فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى} شرط، وجوابه: {تُفادُوهُمْ} و{أُسارى} نصب على الحال. قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول: ما صار في أيديهم فهم الأسارى، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى. ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو، إنما هو كما تقول: سكارى وسكرى. وقراءة الجماعة {أُسارى} ما عدا حمزة فإنه قرأ {أسرى} على فعلى، جمع أسير بمعنى مأسور، والباب- في تكسيره إذا كان كذلك- فعلى، كما تقول: قتيل وقتلى، وجريح وجرحى. قال أبو حاتم: ولا يجوز أسارى.
وقال الزجاج: يقال أسارى كما يقال سكارى، وفعالي هو الأصل، وفعالي داخلة عليها.
وحكى عن محمد بن يزيد قال: يقال أسير وأسراء، كظريف وظرفاء. قال ابن فارس: يقال في جمع أسير أسرى وأسارى، وقرئ بهما.
وقيل: أسارى بفتح الهمزة وليست بالعالية.
الثانية: الأسير مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى:
وقيدني الشعر في بيته ** كما قيد الآسرات الحمارا

أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه. فأما الأسر في قوله عز وجل: {وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ} فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم.
الثالثة: قوله تعالى: {تُفادُوهُمْ} كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. والباقون {تفدوهم} من الفداء. والفداء: طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم. قال الجوهري: الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، يقال: قم فدى لك أبى. ومن العرب من يكسر فداء بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة، فيقول: فداء لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة:
مهلا فداء لك الأقوام كلهم ** وما أثمر من مال ومن ولد

ويقال: فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك. وتفادوا، أي فدى بعضهم بعضا. والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد.
وفأديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا، بمعنى فديت، ومنه قول العباس للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأديت نفسي وفأديت عقيلا. وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر، تقول: فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي، قال الشاعر:
قفي فادي أسيرك إن قومي ** وقومك ما أرى لهم اجتماعا

الرابعة: قوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ} هُوَ مبتدأ وهو كناية عن الإخراج، و{مُحَرَّمٌ} خبره، و{إِخْراجُهُمْ} بدل من {هُوَ} وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة، والجملة التي بعده خبره، أي والامر محرم عليكم إخراجهم. ف {إِخْراجُهُمْ} مبتدأ ثان. و{مُحَرَّمٌ} خبره، والجملة خبر عن {هُوَ}، وفي {مُحَرَّمٌ} ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج. ويجوز أن يكون {مُحَرَّمٌ} مبتدأ، و{إِخْراجُهُمْ} مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر {مُحَرَّمٌ}، والجملة خبر عن {هُوَ}. وزعم الفراء أن {هُوَ} عماد، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له، لأن العماد لا يكون في أول الكلام. ويقرأ {وهو} بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر:
فهو لا تنمى رميته ** ما له لا عد من نفره وكذلك

إن جئت باللام وثم، وقد تقدم. قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ} وهو التوراة {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}!! قلت: ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض! ليت بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!. قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الإثار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. وسيأتي.
الخامسة: قوله تعالى: {فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} ابتداء وخبر. والخزي الهوان. قال الجوهري: وخزي- بالكسر- يخزي خزيا إذا ذل وهان. قال ابن السكيت: وقع في بلية. وأخزاه الله، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان. وقوم خزايا وامرأة خزيا.
السادسة: قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ} {يُرَدُّونَ} بالياء قراءة العامة، وقرأ الحسن {تردون} بالتاء على الخطاب. {إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تقدم القول فيه وكذلك: {أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا} الآية، فلا معنى للإعادة. {يَوْمَ} منصوب ب {يُرَدُّونَ}.